أخر الأخبار

التسميات

السبت، 20 يونيو 2026

تكريم الشهداء بين الرمزية و الإنصاف الاجتماعي / دعوة لترسيخ الوفاء في السياسات العمومية /


 

تكريم الشهداء بين الرمزية و الإنصاف الاجتماعي / دعوة لترسيخ الوفاء في السياسات العمومية /




في خطوة تحمل أبعادا  رمزية و وطنية عميقة وجه رئيس الحكومة المغربية السيد عزيز أخنوش  بمناسبة الذكرى التاسعة و الأربعين للمسيرة الخضراء مراسلة رسمية إلى مختلف القطاعات الوزارية و المؤسسات العمومية يدعو من خلالها إلى إطلاق أسماء الشهداء ونساء و رجال المقاومة و الحركة الوطنية و جيش التحرير على المؤسسات التعليمية و الشوارع و الساحات، و الفضاءات العمومية .

كما دعت المراسلة إلى إقامة معالم تذكارية تخليدا لذكراهم و ترميم مقابر الشهداء و تنظيم زيارات رمزية للترحم على أرواحهم  في التفاتة تعكس حرص الدولة على صون الذاكرة الوطنية الجماعية و الاعتراف بتضحيات من وهبوا أرواحهم من أجل عزة الوطن و استقلاله .

 لا شك أن هذه المبادرة التي تكتسي طابعًا رمزيًا نبيلًا تستحق التنويه لما تحمله من وفاء لتاريخ نضالي مشرف شاركت في صناعته أجيال من المغاربة الذين ناضلوا من مواقع مختلفة دفاعًا عن الأرض و الكرامة و السيادة .

غير أن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات لا يكتمل عند حدود الرمزية  مهما كانت قوية في دلالاتها بل يستدعي بالضرورة ربطها بالعدالة الاجتماعية  و إدماجها في صميم السياسات العمومية و ذلك من خلال العناية الواقعية و الملموسة بأسر الشهداء و ذويهم .


فلا معنى لإطلاق أسماء الشهداء على مؤسسات أو شوارع بينما يعاني أبناؤهم من التهميش و يواجهون الحياة بموارد محدودة  وسط غياب برامج الدعم و الاستقرار .


و لا جدوى من تشييد النصب التذكارية  إذا ظلت معاناة أسر الشهداء حاضرة في صمت غير مرئي داخل أحياء مهمشة .



إن الكرامة التي ناضل من أجلها الشهداء لا يمكن اختزالها في لافتات حجرية أو تسميات رمزية بل يجب أن تترجم إلى واقع اجتماعي منصف  يضمن لأبنائهم و أحفادهم الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة من صحة و تعليم و سكن و فرص عمل  .

إن الكرامة الحقيقي تبدأ عندما يعاد الاعتبار إلى الإنسان لا إلى اللافتة ، و عندما توازي مواقع نصب الأسماء واقع إنصاف الأبناء .

أستحضر هنا مثل مغربي يقول ( منين كتشبع الكرش كتقول للعقل غني ) في إشارة إلى أن الكرامة الإنسانية تبدأ من تلبية الحاجيات الأساسية .

حبذا لو يقترن هذا التكريم الرمزي ببرامج عملية تهدف إلى إعادة الاعتبار الحقيقي لورثة التضحيات من خلال توفير الدعم المادي و الأولويات في التشغيل  و السكن اللائق  و كل ما يضمن لهذه الشريحة من الأمة العيش الكريم الذي يليق بتاريخ آبائهم و نضالهم .

وهذا ما يفرض على الجهات الوصية  بأن تتجاوز مظاهر التكريم الشكلي إلى تبني رؤية شاملة و منصفة  قوامها احترام إرث شهداء الوطني من خلال تثمينه في السياسات العمومية و توسيع دائرة الاستفادة لتشمل برامج الدعم الاجتماعي و الاقتصادي و النفسي  .


و على المؤسسات المنتخبة و السلطات المحلية أن تنخرط بدورها في هذه الرؤية عبر إحصاء دقيق لأوضاع هذه الأسر  و تقديم الدعم المناسب لها  وفقا لحاجياتها المتنوعة  بما يعكس التقدير العملي و الفعلي لتاريخها النضالي .

إن تكريم الشهداء الحقيقي لا يتم فقط من خلال الرموز بل من خلال وضع العدالة الاجتماعية في صلب أولويات الدولة  باعتبارها الامتداد الطبيعي للتضحيات التي سالت من أجلها الدماء .

فالشهداء لم يطلبوا المجد لأنفسهم بل حلموا بوطن يليق بأبنائه  وطن  لا ينسى من صنعوا مجده و لا يتخلى عن من حملوا رايته بعدهم .


ولو قدر الله لتلك الأرواح الطاهرة أن تنطق اليوم  لقالت : ( احفظوا كرامة من بقوا بعدنا فإننا بذلنا حياتنا كي يعيشوا أحرارا وأعزاء ) .


إن ترسيخ ثقافة الاعتراف و الوفاء في الوعي الوطن لا يكتمل إلا عندما توازي السياسات الرمزية قرارات إنصاف اجتماعي حقيقية تترجم إلى برامج و خطط  و تراقب في تنفيذها  لتصبح العدالة الاجتماعية أحد أوجه الوفاء لذاكرة التضحيات  .

و ذلك لن يتحقق إلا إذا تحولت المبادرات الرمزية إلى جزء من استراتيجية وطنية شاملة لتكريم تاريخ المقاومة  ليس فقط في الذاكرة و لكن أيضًا في المعيش اليومي .


( ..لأن الأسماء تظل حية عندما تحفظها الضمائر لا عندما تحفر في الحجر فقط ) .



بقلم عبد السلام عبد النبي ابن شهيد حرب الصحراء المغربية

  • تعليقات بلوجر
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: تكريم الشهداء بين الرمزية و الإنصاف الاجتماعي / دعوة لترسيخ الوفاء في السياسات العمومية / Description: Rating: 5 Reviewed By: khalid jazemi
Scroll to Top
Scroll to Top