أخر الأخبار

التسميات

الخميس، 11 فبراير 2021

بما ان المؤسسات العسكرية تنكرت لمستقبلنا سنتحدث عن الماضي ،الحلقة 35 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع (أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975 ،1991)



 بما ان المؤسسات العسكرية تنكرت لمستقبلنا سنتحدث عن الماضي ،الحلقة 35 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع (أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975 ،1991)





بعد العشاء تحدثت مع والدتي بخصوص موضوع مغادرتي بصفة نهائية لهذه المدينة البائسة، كانت ردة فعلها غير متوقعة أبدا، انزعجت كثيرا و بكت محاولة استعطافي حتى أتنازل عن القرار الذي اتخدته بعد تفكير و تعب وصبر طويل، بقيت معها ما يقارب الساعة محاولا إقناعها وتهدئتها، لتبارك لي ذهابي ولكي ترضى عني أيضا، أخبرتها أنني سأرسل لها قسطا من المال كل شهر فور بدئي العمل، كما أكدت عليها أنني سآتي لرؤيتها كلما تسنت لي الفرصة.

اقتنعت عن مضض، وأبدت رضاها عني والحقتني بدعوات جميلة كي ييسر الله طريقي و يحرصني من شرور الدنيا الكثيرة، قبلت رأسها و أخبرتها ألا تحدث أي من أخوتي عن موضوع سفري، لأنني لا أريد توديع أحد، إن فعلت ذلك؛ مشاعري ستسيقظ تجاههم و سأبقى معهم لأيام ثم أندم بعدها لأنني في لحظة ضعف تراجعت، خاصة وأنا الناس لا تنسى ولا يريدونني أن أنسى، هم يساعدون في تأزم كل من خانته الأيام و يفرحون لضيق كل شخص قد خذله القدر للحظة، فكيف سيساعدونني في محنتي وفي نسيان غلطة هم يجعلونني أدفع ثمنها، رغم علمهم بأنني لست فاعلها، لكن انتمائي للمنزل الذي خرجت منه الخطيئة يجعلني معنيا بالأمر أيضا، لاسيما أنني الأخ الأكبر وفي مثابة الأب المتوفي لذا جزء كبير من المسؤولية يقع على عاتقي، المشكلة أن رغبتي ليست في ترك أسرتي، بل رغبتي الحقيقية في الهروب من الناس ومن كلام الناس الذي لا ينتسى، أنا حقا أريد أخد عائلتي معي لنعيش بسلام و أمان في مكان آخر بعيد عمن لهم دراية بالخطأ الكبير الذي اقترفته أختي وجعلتنا جميعا نتحمل عواقبه وندفع ثمنه، لكن والدتي متشبثة بالمنزل الذي عاشت فيه ذكريات كثيرة مع أبي رحمه الله، حتى أنا لا أستطيع التفريط فيه و بيعه للغرباء، لذا لا أملك أي طريقة لأخد أمي و اخوتي معي وهجران هذا البيت للأبد.

خلدت للنوم بعدما تجولت في بيتنا متمعنا في الجدران والشقوق و الثنايا، تجلت ذكريات كثيرة أمامي، أحس و كأن روح والدي لا تزال عالقة بهذا المنزل الذي هو كل ما تبقى لنا منه بعد استشهاده في حرب الصحراء، أسئلة كثيرة تلوح في الأفق، لو كان أبي هل كان سيرضى لي الرحيل! لو كان والدي على قيد الحياة هل كانت الأمور ستتغير؟ يا ترى قراري خاطئ! هل هجر أسرتي بحثا عن السلام الداخلي سيكلفني ثمنا باهضا؟ لا أملك أي أجوبة لكل من هاته الأسئلة، كل ما أدركه أنني أجازف بالرحيل، وبعدها يا إما موت أو حياة، كل ما يهمني الآن هو التخلص من هذا السواد الذي يحيط بي من كل جهة ويمنعني من الإستمتاع بكل الأشياء التي حولي.


نهضت باكرا قبل أن تتسلل خيوط الشمس الذهبية إلى غرفتي، كان الجميع ما يزالون يغضون في نوم عميق، أمي وحدها كانت مستيقظة وملامح الحزن بادية على وجهها، قبلت رأسها كعادتي كل صباح بعدها غسلت وجهي وشاركتها الإفطار دون أن ننبس ببنت شفة، كلانا كان صامتا وحريق ضجيج كامل بداخله، ارتديث تيابي وحملت حقيبتي، عانقت والدتي و وعدتها مرة أخرى بأنني سآتي لرؤيتها كلما تمكنت من ذلك، دمعة نزلت  من عينها، أحست بحريقها على الخد بينما أنا أصابتني في القلب، لكنني لم أمعن النظر طويلا فيها حتى أظل صامدا أمام مشاعري و ثابتا على قراري، فتحت باب المنزل وخرجت، تركت أمي واقفة أمام العتبة تنظر إلي، لم ألتفت للوراء أبدا، شيئا ما كان يمنعني من أن أفعل ذلك حتى لا أخدل نفسي وأستسلم فور رؤيتي لأمي .... وداعا أيتها المدينة المظلمة، وداعا أحبتي، ها أنا رحلت يا أعدائي ..... وداعا طفولتي ومسقطي....إلى اللقاء يا أمي!


كنت أسرع في خطواتي متجها نحو المحطة الطرقية، كانت الحافلة على وشك المغادرة، دفعت ثمن التذكرة بسرعة، الحافلة ممتلئة عن آخرها، لا تزال سوى أربع كراسي فارغة، جلست على أحدها وأسندت وجهي للزجاج، بينما تحركت الحافلة معلنة مغادرة سماء هذه المنطقة في اتجاه أرض أخرى اتخدتها ملجئا لأضع أحلام مختلفة ولأبدأ حياة جديدة، الشوارع فارغة من الناس الذين لم يقاوموا دفء السرير بعد، صورة أمي تفرض نفسها على مخيلتي، أمعن النظر في الطريق محاولا تجاهل أي صور أخرى ستبدأ في الظهور لتحسسني بذنب الرحيل دون إلتفاتة للوراء، أنا كنت مهتما فقط بما يقولونه الناس عنا ولم تعنيني أسرتي، هذا ما يقوله الضمير حينما يصحو في الوقت الغلط أو في الوقت المتأخر، أي شخص غيري سيعتبرني مذنبا في حق عائلتي الصغيرة التي هجرتها، لكن وحده ذلك الذي عانى من نفس قصتي سيفهمني جيدا وسيضع أمامي ألف عذر يبيح مغادرتي لمسقط رأسي وأهلي معا، ربما لو تعلق الأمر بسرقة أو غيرها  سيهون علي كلام الناس حينها ولن أحس بالضعف ولا الخجل، لكن القصة هي موضوع شرف، شرف عائلة لطخ و دنس بالتراب، فكيف سأقوى على المواجهة والناس لا تنسى، كيف سأنظر بجرأة في أعين الآخرين في الوقت الذي أصبح بيتي من زجاج و لايزال بيتهم من حديد، كيف سأنكر فظاعة ما حدث و كيف سأبرئ أختي من جريمتها الكاملة! لأنني لم ولن أستطيع فعل أي شيء من ذلك، قررت الرحيل ضاربا بعرض الحائط كل الأشياء التي ستجعلني أتخلى عن قراري فجأة، ها أنا الآن أهرب نحو أعين جديدة لن تعنيها قصتي أبدا، لأنها لا تعرف  شيئا منها، ها أنا الآن أهرب نحو متاهة آخرى، الله وحده يعلم أبوابها و مخارجها، ها أنا أغادر دون رجعة...... فسامحني يا أمي!




حلقة كل خميس

من توقيع ليلى اشملال

  • تعليقات بلوجر
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: بما ان المؤسسات العسكرية تنكرت لمستقبلنا سنتحدث عن الماضي ،الحلقة 35 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع (أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975 ،1991) Description: Rating: 5 Reviewed By: khalid jazemi
Scroll to Top
Scroll to Top